سيد محمد طنطاوي
365
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ولكن أهل الكتاب - ولا سيما العلماء منهم - نقضوا عهودهم مع اللَّه - تعالى - ، وقد حكى - سبحانه - ذلك في قوله * ( فَنَبَذُوه وَراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِه ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ) * . النبذ : الطرح والترك والإهمال . أي أن أهل الكتاب الذين أخذ اللَّه عليهم العهود الموثقة بأن يبينوا ما في الكتاب ولا يكتموا شيئا منه ، لم يكونوا أوفياء بعهودهم ، بل إنهم نبذوا ما عاهدهم اللَّه عليه ، وطرحوه وراء ظهورهم باستهانة وعدم اعتداد . وأخذوا في مقابل هذا النبذ والطرح والإهمال شيئا حقيرا من متاع الدنيا وحطامها ، فبئس الفعل فعلهم . والتعبير عنهم بقوله * ( فَنَبَذُوه وَراءَ ظُهُورِهِمْ ) * كناية عن استهانتهم بالمنبوذ ، وإعراضهم عنه بالكلية ، وإهمالهم له إهمالا تاما ، لأن من شأن الشيء المنبوذ أن يهمل ويترك ، كما أن من شأن الشيء الذي هو محل اهتمام أن يحرس ويجعل نصب العين . والضمير في قوله * ( فَنَبَذُوه ) * يعود على الميثاق باعتبار أنه موضع الحديث ابتداء . ويصح أن يعود إلى الكتاب ، لأن الميثاق هو الشرائع والأحكام ، والكتاب وعاؤها ، فنبذ الكتاب نبذ للعهد . والمراد « بالثمن القليل » ما أخذوه من أموال ومتاع دنيوي من غيرهم في مقابل عدم بيانهم لما في الكتاب من حقائق ، وكتمانهم لذلك إرضاء للشهوات وللأهواء الباطلة . وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات ، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل في مقابل نبذهم لكتاب اللَّه وعهوده ، إذ لا يكون هذا الثمن المحصل إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا اللَّه - تعالى - . قوله * ( فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ) * أي بئس شيئا يشترونه ذلك الثمن . فما نكرة منصوبة مفسرة لفاعلي بئس ، وجملة يشترونه صفته ، والمخصوص بالذم محذوف . وقيل « ما » مصدرية فاعلى بئس ، والمخصوص بالذم محذوف ، أي بئس شراؤهم هذا الشراء لاستحقاقهم به العذاب الأليم . وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، وجوب إظهار الحق ، وتحريم كتمانه . ورحم اللَّه صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : وكفى به دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا الحق للناس ، وألا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة ،